أبو حامد الغزالي

271

تهافت الفلاسفة

وأنواع العلوم المتفرقة ؛ فهي صناعات وحرف ، كسائر الصناعات . وأما الحاجة إلى العمل والعبادة ؛ فلزكاء النفس ، فإن النفس في هذا البدن ، مصدودة عن درك حقائق الأشياء ، لا لكونها منطبعة في البدن بل لاشتغالها ، ونزوعها إلى شهواتها ، وشوقها إلى مقتضياته ، وهذا النزوع والشوق ، هيأة للنفس ترسخ فيها ، وتتمكن منها بطول المواظبة ، على اتباع الشهوات ، والمثابرة على الأنس بالمحسوسات المستلذة ، فإذا تمكنت من النفس ، ومات البدن ، كانت هذه الصفات متمكنة من النفس ، ومؤذية من وجهين : أحدهما ، أنها تمنعها عن لذاتها الخاصة بها ، وهي الاتصال بالملائكة والاطلاع على الأمور الجميلة « 1 » الإلهية ، ولا يكون معها البدن الشاغل ، فيلهيها عن التألم ، كما قبل الموت . والثاني ، أنه يبقى معها الحرص والميل إلى الدنيا وأسبابها ولذاتها وقد استلبت منها الآلة ، فإن البدن هو الآلة ، للوصول إلى تلك اللذات ، فتكون حاله كحال من عشق امرأة ، وألف رئاسة ، واستأنس بأولاده ، واستراح إلى مال ، وابتهج بحشمة ، فقتلت معشوقته ، وعزل عن رئاسته ، وسبى أولاده ونساؤه ، وأخذ أمواله أعداؤه ، وسقطت بالكلية حشمته ، فيقاسى من الألم ما لا يخفى ، وهو في هذه الحياة ، غير منقطع الأمل ، عن عودة أمثال هذه الأمور ، فإن أمر الدنيا غاد ورائح فكيف إذا انقطع الأمل ، بفقدان البدن ، بسبب الموت ؟ ! ! ولا ينجى عن التضمخ بهذه الهيئات ، إلا كف النفس عن الهوى ، والأعراض عن الدنيا ، والإقبال بكنه الجد ، على العلم « 2 » والتقوى ، حتى تنقطع علائقها ، عن الأمور الدنيوية ، وهي في الدنيا وتستحكم علاقتها مع الأمور الأخروية ، فإذا مات كان كالمتخلص من سجن ، والواصل إلى جميع مطالبه ، وهو جنته .

--> ( 1 ) وفي نسخة « الجليلة » . ( 2 ) وفي نسخة « العمل » .